ابن قيم الجوزية
118
البدائع في علوم القرآن
وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً ( 18 ) [ الفرقان ] . وفيها قراءتان : أشهرهما : ( نتّخذ ) بفتح النون وكسر الخاء ، على البناء للفاعل ، وهي قراءة السبعة . والثانية : ( نتّخذ ) بضم النون وفتح الخاء ، على البناء للمفعول وهي قراءة الحسن ويزيد بن القعقاع . وعلى كل واحدة من القراءتين إشكال « 1 » : فأما قراءة الجمهور ، فإن اللّه - سبحانه - إنما سألهم : هل أضلوا المشركين بأمرهم إياهم بعبادتهم ، أم هم ضلوا السبيل باختيارهم وأهوائهم ؟ وكيف يكون هذا الجواب مطابقا للسؤال ؟ فإنه لم يسألهم : هل اتخذتم من دوني أولياء ، حتى يقولوا : ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ [ الفرقان : 18 ] ، وإنما سألهم : هل أمرتم عبادي هؤلاء بالشرك ، أم هم أشركوا من قبل أنفسهم ؟ فالجواب المطابق أن يقولوا : لم نأمرهم بالشرك ، وإنما هم آثروه وارتضوه ، أو لم نأمرهم بعبادتنا ، كما قال في الآية الأخرى عنها : تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ [ القصص : 63 ] . فلما رأى أصحاب القراءة الأخرى ذلك فروا إلى بناء الفعل للمفعول . وقالوا : الجواب يصح على ذلك ، ويطابق . إذ المعنى : ليس يصلح لنا أن نعبد ونتخذ آلهة فكيف نأمرهم بما لا يصلح لنا ، ولا يحسن منا ؟ ولكن لزم هؤلاء من الإشكال أمر آخر ، وهو قوله : مِنْ أَوْلِياءَ ، فإن زيادة « من » لا يحسن إلا مع قصد العموم ، كما تقول : ما قام من رجل ، وما ضربت من رجل . فأما إذا كان النفي واردا على شيء مخصوص ، فإنه لا يحسن زيادة « من » فيه ، وهم إنما نفوا عن أنفسهم ما نسب إليهم من دعوى المشركين : أنهم أمروهم بالشرك ، فنفوا عن أنفسهم ذلك بأنه لا تحسن منهم ، ولا يليق بهم أن يعبدوا ، فكيف ندعو عبادك إلى أن يعبدونا ؟ فكان الجواب على هذا : أن تقرأ : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ أولياء من دونك ، أو من دونك أولياء . - فأجاب أصحاب القراءة الأولى بوجوه : أحدها : أن المعنى : ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك ، ونتخذ غيرك وليا ومعبودا .
--> ( 1 ) انظر المحتسب لابن جني ( 2 / 119 - 120 ) وبدائع التفسير ( 3 / 285 ) .